فخر الدين الرازي

455

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الرابعة : كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع الظلمة فكذا المراد بقوله فلانا ليس شخصا واحدا بل كل من أطيع في معصية اللَّه ، واستشهد القفال بقوله : وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً [ الفرقان : 55 ] ، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] يعني به جماعة الكفار . المسألة الخامسة : قرئ يا ويلتي بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها : تعالى فهذا أوانك ، وإنما قلبت الياء ألفا كما في صحارى و ( عذارى ) « 1 » . المسألة السادسة : قوله : عَنِ الذِّكْرِ أي عن ذكر اللَّه أو القرآن وموعظة الرسول ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق ( وغيرته ) « 2 » على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة ، أو أراد إبليس فإنه هو الذي حمله على أن صار خليلا لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن والإنس ، ويحتمل أن يكون وَكانَ الشَّيْطانُ حكاية كلام الظالم وأن يكون كلام اللَّه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ( 31 ) اعلم أن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وشكاهم إلى اللَّه تعالى وقال : يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا وفيه مسائل : المسألة الأولى : أكثر المفسرين أنه قول واقع من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وقال أبو مسلم بل المراد أن الرسول عليه السلام يقوله في الآخرة وهو كقوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] والأول أولى لأنه موافق للفظ ولأن ما ذكره اللَّه تعالى من قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [ الفرقان : 31 ] تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه . المسألة الثانية : ذكروا في المهجور قولين : الأول : أنه من الهجران أي تركوا الإيمان به ولم يقبلوه وأعرضوا عن استماعه الثاني : أنه من أهجر أي مهجورا فيه ثم حذف الجار ويؤكده قوله تعالى : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ [ المؤمنون : 67 ] ثم هجرهم فيه أنهم كانوا يقولون إنه سحر وشعر وكذب وهجر أي هذيان ، وروى أنس عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من تعلم القرآن [ وعلمه ] « 3 » وعلق مصحفا لم يتعهده ولم ينطر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا ، اقض بيني وبينه » ثم إنه تعالى قال مسليا لرسوله عليه الصلاة والسلام ومعزيا له وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وبين بذلك أن له أسوة بسائر الرسل ، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر لأن قوله تعالى : جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا

--> ( 1 ) في الكشاف ( مدارى ) . ( 2 ) في الكشاف ( وعزمه ) 3 / 90 ط . دار الفكر . ( 3 ) زيادة من الكشاف .